Overblog
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
Cabinet Avocat en Tunisie Maitre Imen Nasri

Votre Cabinet D' Avocats en Tunisie

حقوق المريض

كان الاهتمام بالمرض ينحصر في الأطباء والصيادلة باعتباره عارضا على صحة الإنسان يتطلب التدخل لعلاجه. وبالتالي كان ينظر إليه من منظار واحد وهو منظار العلوم الطبية والصيدلية.إلا أن هذا العارض استرعى أيضا اهتمام علماء الاجتماع خاصة عندما يتخذ المرض شكل أوبئة من شأنها تهديد سلامة المجتمع، واعتبروا أن هذه الظاهرة تعكس ضعف الدولة التي أصبحت غير قادرة على توفير متطلبات الصحة العامة .وتبنى رجال الاقتصاد بدورهم موقفا مماثلا نظرا لما يتطلبه علاج المريض من تكاليف تدخل في إطار الأعباء العامة. إلى جانب ما ينجر عن المرض  من اختلال في السير العادي للمؤسسات الاقتصادية نتيجة تأثيره على قدرة العمل بها « La force du travail  »

والمرض يمثل أيضا موضوعا من مواضيع القانون حيث تترتب عنه عدة آثار كان من الضروري تدخل القواعد القانونية لتنظيمها، فهو قد يجعل الشخص المصاب به مصدر خطر على الغير مما يتطلب التدخل لحمايته منه. ويتجسم هذا الخطر في التأثير على صحة الغير بفعل العدوى. كما يتمثل في الاعتداء الذي قد يصدر عن المريض الذي تغير سلوكه وفقد القدرة على السيطرة على أفعاله. إضافة إلى ذلك فإنه كثيرا ما تؤثر تصرفات المريض على المصالح المالية للغير وخاصة منهم الورثة.إلا أنه لا يمكن النظر لآثار المرض من هذه الزاوية فحسب ذلك أنه يصيب الشخص في بدنه فيوهنه، كما يؤثر على توازنه النفسي والعقلي فيجعله بدوره في حاجة للرعاية وحتى للحماية من الغير. لذلك كان من الضروري أن يتدخل القانون لضمان حماية المريض تجاه الغير ولتدعيم حقوقه. وفي هذا الإطار يندرج موضوع هذه الرسالة والوارد تحت عنوان "حقوق المريض".والمريض لغة هو الشخص الذي تغيرت صحته واضطربت بعد اعتدالها.

ولا نجد تعريفا قانونيا عاما للمرض أو للمريض. فلئن اهتم المشرع بهذه الظاهرة إلا أنه تعرض لها ضمن نصوص متفرقة وفي مواد قانونية مختلفة. ولاحظ الأستاذ يوسف الكناني أن المشرع أعطى للمرض مفهوما متغيرا بحسب المادة التي ينظمها وبحسب الغاية التي ينشدها من خلالها. فلقد عرف مثلا الفصل الثالث من القانون عدد 28 لسنة 1994 المتعلق بالأمراض المهنية، المرض المهني بكونه " كل ظاهرة اعتلال أو تعفن جرثومي أو إصابة يكون مصدرها بالقرينة ناشئا عن النشاط المهني للمتضرر ". وميز فقه القضاء التونسي بين المرض المهني وحادث الشغل. فلقد اعتبرت محكمة الاستئناف بسوسة مثلا أن الأزمة القلبية الناجمة عن جهد عضلي مفاجئ هو حادث شغل لا مرضا مهنيا. واعتمدت المحكمة في هذا القرار معيار العنصر الفجئي الذي يميز حسب رأيها الحادث، في حين أن المرض لا يظهر إلا بصفة تدريجية إلا أن هذا التعريف الضيق لا يتجاوز المادة الشغلية وتحديدا مسألة التعويض عن الأضرار الناجمة عن الأمراض المهنية وحوادث الشغل، خاصة وأن المشرع تبنى ولو بصفة ضمنية معيارا موسعا عند تعرضه لتعليق عقد الشغل نتيجة المرض حيث أنه لم يحصره في ظاهرة صحية معينة ولم يقص من حالات المرض المعلقة لعقد الشغل حوادث الشغل مثلا.

ونظرا لعدم توفر تعريف قانوني عام للمرض كما سبق ذكره فإنه لا بد من الاستعانة بالتعاريف العلمية خاصة وأن المرض هو ظاهرة صحية تفسر أولا وبالذات بطريقة علمية طبية.ومن هذا المنطلق فإن المرض هو كل ما من شأنه أن يصيب الصحة البدنية والنفسية والعقلية للإنسان. وبالتالي فإنه يشمل الاعتلالات البدنية بما فيها الإعاقات الجسدية والحسية وحالات العجز الناجمة عن الحوادث وغيرها باعتبارها تؤثر على بدن الإنسان وتعيق آداءه لوظيفته الاعتيادية. كما يشمل الاضطرابات العقلية والنفسية التي لم تكن في السابق تجد تفسيرا علميا لها ولم يكن ينظر إليها على أنها علل تصيب الإنسان.

إلا أن بعض الظواهر والتصرفات التي تصدر عن الإنسان وتطرح التساؤل حول ما إذا كانت تعود لأسباب مرضية أم لا. مثال ذلك حالات الشذوذ الجنسي. فلقد اعتبره البعض وخاصة في المجتمعات الغربية من قبيل الأمراض التي قد تعود لأسباب عضوية ونفسية أو لأسباب نفسية بحتة. في حين رفض البعض الآخر إدراجها ضمن الأمراض.ونلاحظ أنه تم التوسع في مفهوم المرض ليشمل حالات الإدمان على المخدرات حيث أكد الفقهاء أن المدمن أقرب للمريض منه للمجرم خاصة وأن الإدمان أثر على صحته الجسدية والنفسية. فصار جسده يعتمد على آثار العقار المخدر وبات نفسانيا عاجزا عن مقاومة إغراء هذا النوع من السموم. وتبنت جل القوانين هذا المفهوم الموسع للمرض ومن بينها القانون التونسي. ويبرز ذلك بوضوح من خلال قانون 26 جويلية 1969 وقانون 18 ماي 1992 اللذين منحا للمدمن فرصة التخلص من آثار الإدمان وأقرا حتى بالعلاج الإجباري عند الاقتضاء.ومهما كانت طبيعة المرض فإنه ينشئ لدى المصاب به وضعا خاصا، فإلى جانب تأثيره على مقدرته الجسدية وعلى توازنه النفسي والعقلي فإنه يؤثر على الوضع الاجتماعي والاقتصادي للمريض. فالمرض قد يعيقه عن ممارسة عمله وبالتالي يحرمه لفترة قد تطول وقد تقصر من مورد رزقه. كما أنه ينشئ لديه الحاجة للحصول على العلاج للشفاء من علته ويتطلب ذلك تكاليف قد تكون باهظة ويعجز عن مجابهتها. كما أن بعض الأمراض تؤثر على قدرة الشخص على الانسجام والاندماج في محيطه. وهو ما جعل الفقهاء يعتبرون أن المرض مصيبة تحل بالإنسان في محيطه العائلي والمهني والاجتماعي تجعل من الضروري ضمان حقوقه.وعرف سمير عبد السيد تناغو الحق بكونه " امتياز خاص يستأثر به كل شخص على حدة ويستطيع عن طريقه أن يحقق لنفسه الأمن والحرية. وحقوق المريض باعتبارها جزءا من حقوق الإنسان يمكن تعريفها بكونها " مجموع الحقوق والقدرات المتصلة طبيعيا بكل كائن بشري و خاصة بكرامته في علاقته مع الدولة والخواص والمعترف بها على الصعيدين العالمي و الدولي لاحترامها وحمايتها "

إلا أنه إذا كان الإنسان في وضعه العادي يحتاج لتدخل القانون لحمايته من أي انتهاك لحقوقه فإن حالة الضعف التي تميز وضع المريض تجعله في حاجة أكثر تأكدا للحصول على هذه الحماية ولحفظ حقوقه.ولقد تطورت تدريجيا النظرة لحقوق المريض سواء من حيث سندها أو من حيث محتواها.ففي القديم كانت تطغى عليها الصبغة الأخلاقية. حيث كانت تظهر في شكل واجبات أخلاقية محمولة على ممارسي مهنة العلاج، وبرز ذلك لدى المصريين القدامى واليونانيين والأطباء المسلمين.كما كانت حماية المريض ترتكز على ما يميز العلاقات بين الناس من تضامن خاصة داخل العائلة الكبرى. وتدعم ذلك تحت تأثير التعاليم الدينية فكان بذلك الاهتمام بالمرضى ينبع بالأساس عن وازع ديني. فلقد كان للديانة المسيحية دور هام في تركيز أسس الرعاية الصحية خاصة لضعاف الحال وكان رجال الدين يقومون بدور رئيسي في تجسيم هذه العناية. 

إلا أننا نجده يتطرق لهذه الحقوق بصفة أكثر وضوحا من خلال نصوص قانونية خاصة ببعض الأصناف من المرضى مثل القانون عدد 83 لسنة 1992 المؤرخ في 3 أوت 1992 المتعلق بالصحة العقلية وبالإيواء المصابين باضطرابات عقلية. ولقد ألغى هذا القانون أمر 9 أفريل 1953 المتعلق بحجز المصابين بالأمراض العقلية من الرعايا التونسيين. وأكد العديد من الفقهاء على عدم احترام الأمر المذكور لحقوق وحريات المريض عقليا. ويتم حجر المصاب بقرار إداري يمضى عادة على ورقة لا تحمل إلا اسم المريض بدون معرفة حالته الصحية بصورة واضحةوعملية الحجز هذه لا تراعى فيها أدنى حقوق وحريات هؤلاء الأشخاص... سواء ما تعلق منها بالناحية القانونية أو الطبية، كما أهمل هذا القانون تمكين هؤلاء المرضى المحجوزين من العلاج الطبي اللازم أثناء فترة الإيداع الصحي ".لذلك جاء قانون 3 أوت 1992 ليتفادى نقائص أمر 1953 المذكور أعلاه ويكرس حماية واضحة للمرضى المودعين بالمؤسسات الصحية بسبب اضطرابات عقلية.كما اهتم المشرع بأصناف أخرى من المرضى مثل المعوقين لضمان حقوقهم على جميع المستويات (العلاج، التأهيل، العمل) وذلك من خلال عدة قوانين أهمها القانون عدد 5 لسنة 1968 المؤرخ في 8 مارس 1968 المتعلق بالرعاية الاجتماعية للمكفوفين وضعفاء البصر والقانون عدد 46 لسنة 81 المؤرخ في 29 ماي 1981 المنقح بقانون 14 مارس 1989 والمتعلق بالنهوض بالمعوقين وحمايتهم.كما كرس المشرع حماية المصابين ببعض الأمراض الخطيرة والمعدية لضمان حقهم في المساواة وفي الكرامة وذلك ضمن القانون عدد 71 لسنة 1992  لمؤرخ في 27 جويلية 1992 

 

وصادقت البلاد التونسية على أغلب الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق المرضى. نلاحظ تعدد وتنوع مصادر حقوق المريض في عصرنا هذا فمنها ما هو مستمد من أخلاقيات المهن العلاجية، ومنها ما هو مستمد من قوانين داخلية إلى جانب جزء كبير منها يجد مصدره في مبادئ ذات صبغة دولية.وتبعا لذلك نلاحظ مدى أهمية حقوق المريض اليوم سواء من الناحية النظرية أو العملية. هذا إلى جانب ما يطرحه من إشكاليات، فعلى مستوى محتوى هذه الحقوق, وعلى الرغم من السعي للتوسع فيها, فإنه هنالك عدة مقتضيات خاصة تلك المرتبطة بالمصلحة العامة تحد منها. مما يجعل من الضروري إيجاد الموازنة بين مصلحة المريض كفرد ومصلحة المجتمع.ومن ناحية أخرى فإن الإشكال يطرح بخصوص ضمانات حقوق المريض والتي تبدو في العديد من نواحيها منقوصة خاصة منها تلك المرتبطة بمسؤولية الإطار الصحي عما يلحقه من أضرار بالمريض مما يؤثر على حقه في التعويض.

Partager cet article
Repost0
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :